الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ونداء الأسف مجاز . نزّل الأسف منزلة من يعقل فيقول له : احضر فهذا أوان حضورك ، وأضاف الأسف إلى ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص به من بين جزئيات جنس الأسف . والألف عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل ألفا . وإنما ذكر القرآن تحسّره على يوسف - عليه السّلام - ولم يذكر تحسره على ابنيه الآخرين لأن ذلك التحسّر هو الذي يتعلق بهذه القصة فلا يقتضي ذكره أن يعقوب - عليه السّلام - لم يتحسّر قط إلّا على يوسف ، مع أن الواو لا تفيد ترتيب الجمل المعطوفة بها . وكذلك عطف جملة وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ إذ لم يكن ابيضاض عينيه إلا في مدة طويلة . فكل من التولّي والتحسر وابيضاض العينين من أحواله إلّا أنها مختلفة الأزمان . وابيضاض العينين : ضعف البصر . وظاهره أنه تبدّل لون سوادهما من الهزال . ولذلك عبّر ب وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ دون عميت عيناه . و مِنَ في قوله : مِنَ الْحُزْنِ سببية . والحزن سبب البكاء الكثير الذي هو سبب ابيضاض العينين . وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار كما قال الحارث بن حلزة : قبل ما اليوم بيّضت بعيون الن * اس فيها تغيض وإباء وأن الحزن هو السبب لعدم الإبصار كما هو الظاهر . فإن توالي إحساس الحزن على الدماغ قد أفضى إلى تعطيل عمل عصب الإبصار ؛ على أن البكاء من الحزن أمر جبليّ فلا يستغرب صدوره من نبيء ، أو أن التصبّر عند المصائب لم يكن من سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من سننهم إظهار الحزن والجزع عند المصائب . وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى - عليه السّلام - أربعين يوما ، وحكت تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع . وإنما التصبر في المصيبة كمال بلغت إليه الشريعة الإسلامية . والكظيم : مبالغة للكاظم . والكظم : الإمساك النفساني ، أي كاظم للحزن لا يظهره بين الناس ، ويبكي في خلوته ، أو هو فعيل بمعنى مفعول ، أي محزون كقوله : وَهُوَ مَكْظُومٌ .